محمد بن جرير الطبري

212

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر عن قتادة في قوله : وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ قال : لو جاءت بكل شيء لم يقبل منها . حدثنا القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا حسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال مجاهد : قال ابن عباس : وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ قال : بدل ، والبدل : الفدية . حدثني يونس بن عبد الأَعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ قال : لو أن لها ملء الأَرض ذهبا لم يقبل منها فداء قال : ولو جاءت بكل شيء لم يقبل منها . وحدثني نجيح بن إبراهيم ، قال : حدثنا علي بن حكيم ، قال : حدثنا حميد بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن عمرو بن قيس الملائي ، عن رجل من بني أمية من أهل الشام أحسن عليه الثناء ، قال : قيل يا رسول الله ما العدل ؟ قال : " العدل : الفدية " وإنما قيل للفدية من الشيء والبدل منه عدل ، لمعادلته إياه وهو من غير جنسه ؛ ومصيره له مثلا من وجه الجزاء ، لا من وجه المشابهة في الصورة والخلقة ، كما قال جل ثناؤه : وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها بمعنى : وإن تفد كل فدية لا يؤخذ منها ، يقال منه : هذا عدله وعديله . وأما العدل بكسر العين ، فهو مثل الحمل المحمول على الظهر ، يقال من ذلك : عندي غلام عدل غلامك ، وشاة عدل شاتك بكسر العين ، إذا كان غلام يعدل غلاما ، وشاة تعدل شاة ، وكذلك ذلك في كل مثل للشيء من جنسه . فإذا أريد أن عنده قيمته من غير جنسه نصبت العين فقيل : عندي عدل شاتك من الدراهم . وقد ذكر عن بعض العرب أنه يكسر العين من العدل الذي هو بمعنى الفدية لمعادلة ما عادله من جهة الجزاء ، وذلك لتقارب معنى العدل والعدل عندهم ، فأما واحد الأَعدال فلم يسمع فيه إلا عدل بكسر العين . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ وتأويل قوله : وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ يعني أنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر ، كما لا يشفع لهم شافع ، ولا يقبل منهم عدل ولا فدية . بطلت هنالك المحاباة واضمحلت الرشا والشفاعات ، وارتفع من القوم التعاون والتناصر ، وصار الحكم إلى العدل الجبار الذي لا ينفع لديه الشفعاء والنصراء ، فيجزي بالسيئة مثلها وبالحسنة أضعافها . وذلك نظير قوله جل ثناؤه : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ وكان ابن عباس يقول في معنى : لا تَناصَرُونَ ما : حدثت به عن المنجاب ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ ما لكم لا تمانعون منا ؟ هيهات ليس ذلك لكم اليوم وقد قال بعضهم في معنى قوله : وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ وليس لهم من الله يومئذ نصير ينتصر لهم من الله إذا عاقبهم . وقد قيل : ولا هم ينصرون بالطلب فيهم والشفاعة والفدية . قال أبو جعفر : والقول الأَول وهو قوله أولى بتأويل الآية لما وصفنا من أن الله جل ثناؤه إنما أعلم المخاطبين بهذه الآية أن يوم القيامة يوم لا فدية لمن استحق من خلقه عقوبته ، ولا شفاعة فيه ، ولا ناصر له . وذلك أن ذلك قد كان لهم في الدنيا ، فأخبر أن ذلك يوم القيامة معدوم لا سبيل لهم إليه . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ أما تأويل قوله : وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ فإنه عطف على قوله : يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ فكأنه قال : اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ، واذكروا إنعامنا عليكم إذ نجيناكم من آل فرعون بإنجائنا لكم منهم . وأما آل فرعون فإنهم أهل دينه وقومه وأشياعه . وأصل " آل " أهل ، أبدلت الهاء همزة ، كما قالوا ماه ، فأبدلوا الهاء همزة ، فإذا صغروه قالوا